الآلوسي
40
تفسير الآلوسي
على ما ذكر اليزيدي . وأبو عبيدة أفصح ، وقرئ في الشواذ * ( يغرسون ) * من غرس الأشجار . وفي " الكشاف " أنها تصحيف وليس به . هذا ومن باب الإشارة في الآيات : ما وجدته لبعض أرباب التأويل من العارفين أن العصا إشارة إلى نفسه التي يتوكأ عليها أي يعتمد في الحركات والأفعال الحيوانية ويهش بها على غنم القوة البهيمية السليمة ورق الملكات الفاضلة والعادات الحميدة من شجرة الفكر وكانت لتقدسها مقنادة لأوامره مرتدعة عن أفعالها الحيوانية إلا بإذنه كالعصا وإذا أرسلها عند الاحتجاج على الخصوم صارت كالثعبان تلقف ما يأفكون من الأكاذيب ويظهرون من حبال الشبهات وعصا المغالطات فيغلبهم ويقهرهم . وأن نزع اليد إشارة إلى إظهار القدرة الباهرة الساطعة منها أنوار الحق . وجعل بعضهم فرعون إشارة إلى النفس الأمارة وقومه إشارة إلى صفاتها وكذا السحرة وموسى إشارة إلى الروح وقومه بنو إسرائيل العقل والقلب والسر وعلى هذا القياس . وأول النيسابوري الطوفان بالعلم الكثير والجراد بالواردات والقمل بالإلهامات والضفادع بالخواطر والدم بأصناف المجاهدات والرياضات وهو كما ترى . وقد ذكر غير واحد أن السحر كان غالباً في زمن موسى عليه السلام فلهذا كانت معجزته ما كانت ، والطب ما كان غالباً في زمن عيسى عليه السلام فلهذا كانت معجزته من جنس الطب ؛ والفصاحة كانت غالباً في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم والتفاخر بها أشهر من ( قفا نبك ) فلهذا كانت معجزته القرآن ، وإنما كانت معجزة كل نبي من جنس ما غلب على زمانه ليكون ذلك أدعى إلى إجابة دعواه . * ( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرءِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يا مُوسَى اجْعَلْ لَّنَا إِلَاهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) * . * ( وَجَاوَزْنَا ببَني إسْرَائيلَ الْبَحْرَ ) * شروع بعد انتهاء قصة فرعون في قصة بني إسرائيل وشرح ما أحدثوه بعد أن من الله تعالى عليهم بما من واراهم من الآيات ما أراهم تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما رآه من اليهود بالمدينة فإنهم جروا معه على دأب أسلافهم مع أخيه موسى عليه السلام وإيقاظاً للمؤمنين أن لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة نعم الله تعالى عليهم فإن بني إسرائيل وقعوا فيما وقعا لغفلتهم عما من الله تعالى به عليهم ، وجاوز بمعنى جاز وقرئ * ( جوزنا ) * بالتشديد وهو أيضاً بمعنى جاز فعدى بالباء أي قطعنا البحر بهم ، والمراد بالبحر بحر القلزم . وفي " مجمع البيان " أنه نيل مصر وهو كما في " البحر " خطأ ، وعن الكلبي أن موسى عليه السلام عبر بهم يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصاموه شكراً لله تعالى * ( فَأَتَوْا ) * أي مروا بعد المجاوزة . * ( عَلَى قَوْم ) * قال قتادة : كانوا من لخم اسم قبيلة ينسبون كما صححه ابن عبد البر إلى لخم بن عدي بن عمرو بن سبا ، وقيل : كانوا من العمالقة الكنعانيين الذين أمر موسى عليه السلام بقتالهم . * ( يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَام لَهُمْ ) * أي يواظبون على عبادتها ويلازمونها ، وكانت كما أخرج ابن المنذر . وغيره عن ابن جريج تماثيل بقر من نحاس ، وهو أول شأن العجل ، وقيل : كانت من حجارة ، وقيل : كان بقراً حقيقة وقرأ حمزة . والكسائي * ( يعكفون ) * بكسر الكاف * ( قَالُوا ) * عندما شاهدوا ذلك * ( يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إلَهاً ) * مثالاً نعبده * ( كَمَا لَهُمْ آلهَةٌ ) * الكاف متعلقة بمحذوف وقع صفة لإلها و * ( ما ) * موصولة و * ( لهم ) * صلتها و * ( آلهة ) * بدل من الضمير المستتر فيه ، والتقدير اجعل لنا إلهاً كائناً كالذي استقر هو لهم . وجوز أبو البقاء أن تكون ما كافة للكاف ، ولذا وقع بعدها الجملة الإسمية وأن تكون مصدرية ،